يعيش العالم اليوم حالة من التيه السياسي حيال ما يجرى من تصعيد عسكري فى الخليج العربى .. فالحروب عبر التاريخ، حتى الأكثر دموية منها، كانت تحتاج دائماً إلى "غطاء سياسي" أو مبرر أخلاقي —وإن كان زائفاً— لتسويقها أمام المجتمع الدولي. أما ما نشهده اليوم، فهو حرب "الأهداف المتغيرة" و"التكهنات المفتوحة"، حيث يغيب المنطق وتتحكم لغة القوة الغاشمة في مصير الشعوب تخبط و تلخبط فى الأهداف والمبررات.
المراقب للتصريحات الرسمية يصاب بالدوار؛ ففي البداية كان الهدف المعلن هو القضاء على المشروع النووي الإيراني وتغيير النظام، ثم فجأة تحول الدفة نحو تدمير الصواريخ الباليستية. لم تمضِ ساعات حتى قيل إنها حرب لتأمين مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة، ليعود الخطاب مجدداً إلى نغمة "الانتقام" والعقاب على العمليات الإرهابية، وصولاً إلى التصريح الصادم بإعادة إيران إلى "العصر الحجري".
هذا التضارب يكشف حقيقة واحدة: أن الغطاء الحقيقي الكامن وراء هذه الحرب لم ينكشف بعد، وربما لن نعرفه إلا بعد فترة الزمن، تماماً كما حدث في غزو العراق عام 2003. حينها دخلوه بدعوى "أسلحة الدمار الشامل"، ليتبين لاحقاً كذب الادعاء، ويبقى الواقع مريراً: عراق مفكك، وشعب غارق في الصراعات الطائفية
لم يعد العالم يبتلع الطعم بسهولة؛ فقد تبرأت دول أوروبية —بل ومن داخل حلف "الناتو" نفسه— من هذه الحرب، واصفة إياها بـ "غير القانونية". هذا الانقسام الدولي يعكس إدراكاً متزايداً بأن ما يحدث ليس دفاعاً عن السلام، بل هو سعي للسيطرة المطلقة على الممرات الملاحية والمناطق المحورية في العالم، ضارباً عرض الحائط بسيادة الدول واستقرار الإقليم.
إن المتضرر الأكبر من هذا الصراع هو محيطنا العربي، وتحديداً دول الخليج. ورغم أن الاعتداءات الإيرانية مرفوضة ومدانة جملة وتفصيلاً من الشعوب والحكومات العربية، إلا أن الحرب ليست الحل السحري.
إن آثار هذه الحرب لن تُمحى بمجرد رحيل الأساطيل الأمريكية مدعية النصر؛ بل ستترك خلفها تداعيات وجروحاً غائرة بين دول المنطقة، وتحتاج أجيالاً لتضميدها. فأين هو "السلام" الذي تتباها به أمريكا؟ وكيف تصدق الشعوب ادعاءاتها وهي تشغل الخرب فى الشرق الأوسط ومن قبل تقف صامتة —بل وشريكة— أمام عمليات قتل الأطفال والنساء في غزة، واختراق إسرائيل لكل القوانين الدولية؟
الأمر في غاية الخطورة، ونحن اليوم أمام مفترق طرق: إما الانزلاق نحو صراع بشري يحرق الأخضر واليابس ولا يستطيع أحد السيطرة عليه، أو وقفة قوية وصادقة من المجتمع الدولي والأمم المتحدة.
لقد حان الوقت لـتعدد أقطاب القوى لكسر الهيمنة الأحادية التي تقرر مصير الشعوب وفق أهوائهاوإعلاء كلمة القانون الدولي: لتكون هي الكلمة الأولى والأخيرة في النزاعات وتفعيل دور المؤسسات الدولية: كجهة رقابية حقيقية وليس مجرد أدوات لتنفيذ أجندات القوى العظمى.
على العالم أن يستيقظ الآن وليس غداً، فطبول الحرب التي تُدق لن تجلب ديمقراطية ولا استقراراً، بل هي نذير لدمار شامل لن ينجو منه أحد إذا لم يتم لجم "شهوة الحرب" وإعادة الاعتبار للإنسان والقانون.